فصل: مسألة ابتاع من رجل بدرهمين زيتا فلما وجب البيع بينهما استقاله من أحدهما:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة دفع إلى آخر له ذهبا أو ورقا ناقصا أو طعاما مأكولا فقال له أحسن إلي:

قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في رجل دفع إلى آخر له ذهبا أو ورقا ناقصا أو طعاما مأكولا، فقال له: أحسن إلي أبدل لي هذا بأجود منه وأنفقه فيما تنفق.
قال مالك: إذا كان على وجه المعروف على غير شرط إن شاء تم على ذلك وإن شاء رد عليه مثل ما أخذ منه لم يلزمه غير ذلك، فلا أرى فيه بأسا يدا بيد.
قال محمد بن رشد: أجاز مبادلة الذهب أو الورق الناقصة بالذهب الوازنة والطعام المأكول بالطعام صحيح على وجه المعروف، ومعنى ذلك في الذهب والورق فيما قل منه مثل الدينار والثلاثة إلى الستة على ما في المدونة، وإن كان سحنون قد أصلح الستة وردها ثلاثة.
وقوله بأجود منه يدل على جواز بدلها بأوزن وأجود، خلاف قول مالك في المدونة مثل قول ابن القاسم.
وأما الطعام فيجوز مبادلة المأكول منه والمعفون بالصحيح السالم على وجه المعروف في القليل والكثير على ظاهر هذه الرواية وما وقع في رسم النسمة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، ومنع من ذلك أشهب كالدنانير الكثيرة النقص بالوازنة فلم يجز المعفون بالصحيح ولا الكثير العفن بخفيف العفن، وهو دليل ما في كتاب القسمة من المدونة من أنه لا يجوز الطعام المعفون بالطعام المعفون إلا أن يشبه بعضه بعضا ولا يتفاوت، وأجاز ذلك سحنون في المعفون وقال: إنه لا يشبه الدنانير النقص بالوازنة؛ لأن بين الدنانير الكثيرة النقص بالوازنة تفاضلا في الوزن، ولا تفاضل في الكيل بين المعفون بالصحيح. قال: وكره المعفون بالصحيح لكره القمح بالشعير والجيد بالرديء، وكره في المأكول إذا كانت الحبة قد ذهب أكثرها.
ومعنى قوله إذا كان ذلك على غير شرط، أي أنه لا يجوز له أن يقول له أبدله لك على أني إن قدرت على نفقته وإلا صدقته عليك أو ضربت عليك مثله إن شئت وأخذت منك ما أعطيتك.

.مسألة بيع الذهب بالفضة:

وقال مالك في الشيء من الحلي، يكون الذهب والورق قد صيغ.
قال: إن كان ما فيه من الفضة ثلث ذلك أو أدنى بيع بالفضة، وإن كان الذهب هو الثلث في القيمة بيع بالذهب يدا بيد، وإن كان على غير ذلك لم يبع إلا بعرض أو فلوس أو شيء غير الذهب والورق، قال ابن القاسم: رجع مالك عن هذا وقال: لا يباع كله إلا بعرض أو فلوس، وقوله الذي رجع إليه أحب ما فيه إلي.
قال محمد بن رشد: قول مالك الأول هو قوله في المدونة في رواية علي بن زياد عنه واختيار أشهب، وقوله الثاني هو قوله في المدونة في رواية ابن القاسم عنه واختيار ابن القاسم هاهنا، وهو أقيس وأحوط لأن الذهب والورق لما كان كل واحد منهما أصلا في نفسه مضبوط القيمة إذ هما أصول الأشياء وقيم المتلفات لم يكن أحدهما تبعا لصاحبه وإن كان أقل من الثلث من أجل أن قيمته مضبوطة والغرض فيهما جميعا سواء إلا أن يكون الذي مع الفضة من الذهب أو مع الذهب من الفضة الشيء اليسير الذي لا يؤبه له فحينئذ يكون تبعا له، روى ذلك زياد عن مالك؛ بخلاف السيف والمصحف وما أشبههما يحليان بالذهب والفضة فتكون حليتهما الثلث فأقل لأن الغرض حينئذ إنما يكون في شراء الأصل المحلى لا في شراء حيليته فيجعل جميع الثمن له إذ ليست قيمته مضبوطة كقيمة الذهب والورق، وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أن القياس أن يكون كل واحد من الذهب أو الفضة ملغى مع صاحبه إذا كان الثلث فأقل كما يكون ملغى مع العرض وقد بينا الفرق بين ذلك.
وقوله: وإن كان على غير ذلك لم يبع إلا بعرض أو فلوس أو شيء غير الذهب والورق بين أنه لا يجوز أن يباع بأقلها إذا كان أقلها أكثر من الثلث على قول مالك الأول ومذهب أشهب، وإن كان ابن أبي زيد قد اختصره على غير ذلك فهو خلط والله أعلم.

.مسألة بيع الذهب بالورق:

قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: لا يجوز في شيء من بيع الذهب بالورق تأخير ولا حول ولا حمالة ولا خيار إلا المناجزة يدا بيد لا يفارقه وبينهما شيء، هذا نص ما في كتاب الخيار من المدونة.
فقوله: إنه لا يجوز في ذلك تأخير صحيح لا اختلاف فيه لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء» وقول عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره. فإن انعقد الصرف بينهما على أن يتأخر منه شيء فسح، وإن وقع على المناجزة ثم أخر صاحبه بشيء منه انتقض الصرف فيما وقعت فيه النظرة باتفاق وإن كانت النظرة في أقل من صرف دينار لنتقض صرف دينار، وإن كانت في أكثر من دينار انتقض صرف دينارين، وإن كانت في أكثر من صرف دينارين انتقض صرف ثلاثة دنانير، هكذا أبدا، وفيما وقع فيه التناجز على اختلاف.
وإن وقع على المناجزة ثم تأخر شيء منه بغلط أو سرقة من الصراق أو نسيان مضى الصرف فيما وقع فيه التناجز من ذلك باتفاق، وفيما وقع فيه التأخير إن رضي الذي هو له بتركه على اختلاف، وسيأتي تفسير هذا وبيانه بعد هذا إن شاء الله.
وقوله: إنه لا يجوز في ذلك حول، ظاهره أن الحوالة في الصرف لا تجوز وإن قبض المحال من المحال عليه مكانه قبل مفارقته الذي أحاله، وهو مذهب ابن القاسم خلاف قول سحنون أنه يجوز ما أحيل به مكانه قبل مفارقة الذي أحاله.
وأما قوله إنه لا يجوز في ذلك حمالة فهو كما قال لأن الحمالة لا تكون إلا بما يتأخر قبضه والصرف لا يكون إلا بأجزاء إلا أن تكون الحمالة بالدنانير أن استحقت الدراهم أو بالدراهم إن استحقت الدنانير فتجوز، وكذلك الرهن.
وأما قوله إنه لا يجوز في ذلك خيار فهو كما قال؛ لأن الخيار لا يجوز فيه النقد، والصرف لا يجوز أن يتأخر فيه النقد، فالصرف على الخيار فاسد كان لأحدهما أو لغيرهما، غير أنه إن كان لهما جميعا فتمماه على العقد الأول وتناقدا بحضرة اتفاقها على إمضائه لم يفسخ، إذ لم يكن لازما لواحد منهما أو لغيرهما فسخ ما عثر عليه وإن طال، للزوم بيع الخيار للذي لم يشترطه منهما لنفسه، وبالله التوفيق.

.مسألة يأتي بفضة له إلى سكة بيت الضرب ضرب الدراهم فيعطيه فضته ويعطيه أجرة منها:

ومن كتاب أوله حلف ألا يبيع سلعة سماها:
وسئل عن الرجل يأتي بفضة له إلى سكة بيت الضرب: ضرب الدراهم، فيعطيه فضته ويعطيه أجرة منها ويأخذ منه أجرة مضروبة.
قال: إني لأرجو أن يكون ذلك خفيفا، وقد كان يعمل به بدمشق فيما مضى، وتركه أحب إلي، وأما أهل الورع من الناس فلا يفعل ذلك.
قال محمد بن رشد: التكلم في هذه المسألة على وجهين، أحدهما خلط أذهاب الناس في الضرب بعد تصفيتها ومعرفة وزنها، فإذا خرجت من الضرب أخذ كل إنسان منهم على حساب ذهبه، وأعطى الضرب أجرته، والثاني أن يأتي الرجل بذهبه ليضربها فيشق عليه المقام على ضربها ويريد أن يستعجل دنانير مضروبة من عند الضراب فيبادله إياها بذهبه ويزيد قدر أجرته على ضربها، وهما وجهان مذمومان لا خير فيهما، إلا أن الأول منهما أخف من الثاني فخففه في هذه الرواية لحاجة الناس إلى ذلك؛ لأن معنى قوله فيها: ويأخذ منه دراهم مضروبة أي يأخذ منه دراهم مضروبة إذا فرغ من ضربها مع غيرها على حساب فضته، وحكى أنه قد كان يعمل به بدمشق ورأى تركه أحب إليه، وقال: إن أهل الورع من الناس لا يفعله، وأجازه أيضا في رسم مسائل البيع، وكذا من سماع أشهب إذا كانوا يخلصون الأذهاب ولا يغشونها، ولم يكن في البلاد إلا سكة واحدة، وقال: إنه قد كان يعمل به في زمن بني أمية بدمشق؛ لأنها كانت سكة واحدة والتجار كثير، والناس مجتازون والأسواق متفاوتة، فلو جلس كل واحد منهم حتى يضرب ذهب صاحبه فاتت الأسواق، فلا أرى لذلك بأسا، قال: فأما اليوم فإن الذهب يغش، وقد صار لكل مكان سكة تضرب فلا أرى ذلك يصلح، وإلى هذا ذهب ابن المواز من رأيه أن ذلك لا يجوز اليوم؛ لأن الضرورة قد ارتفعت، وأجاز ذلك أيضا مالك في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب الشركة في عصير الزيتون، وقال سحنون: لا خير فيه، وإليه ذهب ابن حبيب، وحكى إنه سأل عن ذلك من لقي من المدنيين والمصريين فلم يرخصوا فيه على حال.
وأما الوجه الثاني وهو استعجال الدنانير ومبادلتها بالذهب بعد تجميعها وتصفيتها مع زيادة أجرة عمل مثلها فقال ابن حبيب: إن ذلك حرام لا يحل لمضطر ولا غيره، وهو قول ابن وهب وأكثر أهل العلم وخفف ذلك مالك في نذر سنة يصومها بعد هذا لما يصيب الناس في ذلك من الحبس مع خوفهم في ذلك، كما جوز للمعري شراء العرية بخرصها وكما جوز دخول مكة بغير إحرام لمن يكثر التردد إليها، ثم قال: ما هو من عمل الأبرار، وقال ابن القاسم فيه: أراه خفيفا للمضطر وذوي الحاجة، والصواب أن ذلك لا يجوز إلا مع الخوف على النفس الذي يبيح أكل الميتة، وإنما خفف ذلك مالك ومن تابعه على تخفيفه مع الضرورة التي لا تبيح أكل الميتة مراعاة لقول من لا يرى الربا إلا في النسيئة، روي ذلك عن ابن عباس، وقال به جماعة من أهل مكة، وإنما قاله ابن عباس لما حدثه به أسامة بن زيد، أنه سمع النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ يقول: «لا ربا إلا في النسيئة» ولم يتابع ابن عباس أحد من الصحابة على قوله وتأويله في حديث أسامة وهو عند أهل العلم محمول على أنه خرج على سؤال لسائل سأل النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ عن التفاضل فيما يجوز فيه التفاضل يدا بيد فقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا ربا إلا في النسيئة»، يريد فيما سئل عنه، فحكى أسامة بن زيد ما سمع من قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ ولم يسمع سؤال السائل، وقد روي أن ابن عباس رجع عن هذا إلى ما عليه الجماعة.
ولم يجز مالك ولا أحد من الصحابة شراء حلي الذهب أو الفضة بوزن الذهب أو الفضة وزيادة قدر الصياغة، وإن كان معاوية يجيز تبر الذهب بالدنانير متفاضلا، والصوغ من الذهب بالذهب متفاضلا لا ضرورة في ذلك فيرى ما فيه فورا والله أعلم.

.مسألة يأتي إلى السقاط بدينار فيأخذ منه بربع زيتا وبربع تمرا وبربع سويقا:

وسئل عن الرجل يأتي إلى السقاط بدينار فيأخذ منه بربع زيتا وبربع تمرا وبربع سويقا ويخلف عنده الربع الآخر على غير شيء.
قال: لا بأس بذلك وكذلك الدرهم لا بأس به.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز أن يخلف عنده الربع الدينار وربع الدرهم إذا اشترى منه بثلاثة أرباعها لأنه إنما يبقى ذلك له عنده على سبيل الوديعة فيكون شريكا فيما يجريه، فإذا أراد أحدهما الانفصال من صاحبه أحضر الدينار أو الدرهم فباعه واقتسما ثمنه، فلا فساد في ذلك على مراعاة ما ثبت في الذمة؛ لأنه إنما وجب له عليه ثلاثة أرباع دينار فدفع ذلك إليه ولا يجوز مراعاة ما يوجبه الحكم له عليه صرف ثلاثة أرباع الدينار، إذ لا ينقسم، فصار قد صارفه في ذلك مصارفة غير ناجزة لشركته معه في الدينار، فيرد إليه الدينار ويأخذ منه صرف ثلاثة أرباعه، ولا ينقض البيع إلا أن يكون قد بايعه على ذلك فينتقض على هذا القول.
ولو دفع إليه الدينار على أن يكون الربع عنده سلفا على غير شرط في أصل البيع لجاز على مراعاة ما ترتب في الذمة من الذهب ولم يجز على مراعاة ما يوجبه الحكم لأنه صارفه في النصف على أن أسلفه النصف، فدخله البيع والسلف، ولو بايعه على غير شرط لكان بيعا وسلفا وبالله التوفيق.

.مسألة عليه أثلاث دينار منجمة في كل شهر ثلث دينار فأيسر بدينار:

وسئل عن رجل عليه أثلاث دينار منجمة في كل شهر ثلث دينار فأيسر بدينار فأراد أن يعطيه إياه قبل محلها.
قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: جوابه في هذه المسألة صحيح على مراعاة ما ثبت في الذمة لأنه عجل ما عليه، فجاز ذلك، ولا يجوز على مراعاة ما يوجبه الحكم من أن يقضيه صرف كل ثلث إذا حل عليه لأنه كمن اقتضى من دراهم له مؤجلة ذهبا معجلا وهذا بين.

.مسألة باع من رجل ثوبا بنصف دينار فقبض الثوب فلما كان من الغد جاء بدينار:

وسئل عن رجل باع من رجل ثوبا بنصف دينار فقبض الثوب فلما كان من الغد جاء بدينار فطلب منه النصف فقال: ما عندي فأقره عندي سلفا.
قال: ما يعجبني.
قلت: فلا يعجبك؟ فقال: ما هذا بالبين ووقف عنه، قال ابن القاسم: أراه قضاء وسلفا إذا لم يكن شرطا في أصل البيع، وقد أخبرني من أثق به عن ربيعة مثل ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا الاختلاف أيضا في هذه المسألة جار على ما ذكرناه قبل، فكراهة مالك له في أحد قوليه على مراعاة ما يوجبه الحكم خلاف مذهبه في المسألة التي فوقها، وقول ابن القاسم وأحد قولي مالك في إجازة ذلك على مراعاة ما ثبت في الذمة مثل قول مالك في المسألة التي فوقها وبالله التوفيق.

.مسألة يكون عنده الدنانير المضروبة فيريد دنانير نقصا عتقا ولها نفاق في عيونها:

ومن كتاب أوله شك في طوافه:
وسئل مالك عن الرجل يكون عنده الدنانير المضروبة القائمة ولها صروف في عيونها فيريد دنانير نقصا عتقا ولها نفاق في عيونها والقائمة في ذلك أفضل إلا أنه إذا رضي بذلك لمكان عدم العتق فهو يدخل في عددها زيادة الخمسة والعشرة القائمة على عدد القائمة بمراطلتها.
قال: إن كانت مضاربته مثلا بمثل فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة منصوصة في المدونة، وهي صحيحة على أصولهم في أن السكة والصياغة ملغتان في المراطلة فيجوز أن يراطل تبر ذهب بذهب دونها مصوغة أو مضروبة وإن كان قد علم أنه إنما رضي بترك فضل ذهبه على ذهب صاحبه من أجل الصياغة والسكة، والأصل في ذلك قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لا تبيعوا الذهب إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا بعضها على بعض»، وإنما الذي لا يجوز أن يراطل ذهبا بذهبين إحداهما أرفع والثانية أوضع، وسيأتي الكلام على هذا مستوفى في أصل البيع والصرف من سماع أصبغ وبالله التوفيق.

.مسألة يقدم البلدة التي تجوز فيها الدراهم النقص ويكون معه دراهم كبار فيريد أن يقطعها:

وسئل مالك عن الذي يقدم البلدة التي تجوز فيها الدراهم النقص ويكون معه دراهم كبار فيريد أن يقطعها، قال ذلك يكره.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن ذلك مكروه مخافة أن يذهب بها إلى بلدة لا يجوز النقص فيها فيغش فيها، فذلك أشد في الكراهية من قطع الدنانير المقطوعة، وقد أجاز في أول رسم أشهب قطع الدنانير المقطوعة عند الحاجة إلى ذلك، وأجاز ابن القاسم في سماع أصبغ قطعها إجازة مطلقة إذا لم تكن صحاحا مدورة وأما قطع الدنانير الوازنة وردها ناقصة في البلد التي لا يجوز فيها الدنانير الناقصة فذلك لا يحل ولا يجوز، وسيأتي هذا المعنى أيضا في رسم تأخير صلاة العشاء وبالله التوفيق.

.مسألة يجعل في فص خاتمه الحبة والحبتين من الذهب يخلطه معه يريد بذلك ألا تصدأ فضته:

وسئل عن الرجل يجعل في فص خاتمه الحبة والحبتين من الذهب يخلطه معه يريد بذلك ألا تصدأ فضته كرهه أيضا.
قال محمد بن رشد: مسمار الذهب في الخاتم كالعلم من الحرير يكون في الثوب فمالك يكره ذلك وغيره يجيزه ولا يرى فيه كراهة فمن تركه على مذهب مالك أبر، ومن فعله لم يأثم؛ لأن هذا هو حد المكروه وعلى مذهب غيره هو من المباح لا إثم في فعله ولا أجر في تركه أما خلط الشيء اليسير من الذهب في خاتم الفضة فهو يشبه الثوب المشوب بالحرير كالخز وشبهه فيكرهه مالك، وغيره يجيزه أيضا، وفرق ابن حبيب فيما كان مشوبا بالثياب بالحرير من الخز اتباعا على غير قياس، ومذهبه في ذلك شذوذ وبالله التوفيق.

.مسألة معاملة الصيارفة:

وقيل لمالك: أيستحب للرجل أن يصرف من التجار ويدع الصيارفة.
قال: نعم هذا أحب إلي لموضع ما يربون؛ لأن الفساد قد كثر، فكلهم يعمل بما لا يصلح.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأن الغالب على الصيارفة العمل بالربا فيستحب تجنب معاملة أحد منهم وإن لم يعلم حاله؛ لأنه يحمل على الغالب من أهل صناعته، وقد قيل: إن معاملة من خالط ماله من ربا أو غيره لا يحل ولا يجوز، والصحيح أنها مكروهة وليست بحرام ولنا في هذا المعنى مسألة جامعة لمن أراد الشفاء منه طالعها وبالله التوفيق.

.مسألة يصرف من صراف بذهب ورقا ثم يصرفها منه بذهب آخر:

قال مالك: يكره للرجل أن يصرف من صراف بذهب ورقا ثم يصرفها منه بذهب آخر، وقيل له: أرأيت إن استودعها إياه بعد أن صارفه؟ قال: لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يكره للرجل أن يصرف من صراف بذهب ورقا ثم يصرفها منه بذهب آخر، معناه في المجلس أو يقرب ذلك بعد اليوم واليومين على ما في المدونة، وأما إذا طال الأمر فذلك جائز، وإنما يكره ذلك للتهمة ويفسخ من أجل الذريعة، فإذا ارتفعت التهمة وظهرت البراءة في فعلهما جاز ذلك وذلك مثل أن يبيع الدراهم منه في المجلس بحضرتهما قبل التفرق بذهب مثل عين ذهبه أقل منها أو أكثر أو مخالف لعينها في مثل وزنها؛ لأنه إذ أخذ منه مثل عين ذهبه أقل أو أكثر يبرأ من التهمة إذ لا يتهم أحد في دفع عشرة يأخذ عشرة يدا بيد وإذا أخذ منه ذهبا مخالفة لعينها في مثل وزنها كانت مراطلة، وإنما الذي لا يجوز له أن يأخذ منه بالحضرة قبل التفرق ذهبا مخالفة لذهبه في عينيها ووزنها، وأما بعد التفرق بالقرب فلا يجوز له أن يأخذ منه إلا مثل عين ذهبه في مثل وزنها أو أقل من وزنها، فإن طال الأمر بعد التفرق جاز أن يأخذ منه ما شاء.
وأما تركه الذهب عنده وديعة بعد المصارفة فيه فإنما لم يجز ذلك من أجل أنه إذا صرف الذهب إليه أن الأمر إلى الصراف المتأخر فإنهما على القصد إلى ذلك، ولو صح ذلك منهما لم يكن عليهما فيه حرج، وقد أجاز ذلك ابن وهب في سماع أبي جعفر إذا طبع عليها، وهو بعيد لأن الطبع عليها لا يرفع التهمة عنهما بخلاف رهن ما لا يعرف بعينيه إذا غيب عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة يبتاع بمثقال الذهب دراهم فيجد الذهب غير جيدة فيرده عليه ويقول إني قد وجدته غير جيدة:

ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة:
وسئل مالك عن الذي يبتاع بمثقال الذهب دراهم فيجد الذهب غير جيدة فيرده عليه ويقول: إني قد وجدته غير جيدة، فيقول: أنا أعطيك به دينارا مضروبا بوزنه، قال: لا يعجبني هذا القول حتى يفسخ ذلك، فإذا فسخ فإن شاء أخذ به مثقال ذهب، وإن شاء أخذ به دراهم.
قال محمد بن رشد: معنى المسألة أنه ابتاع مثقال ذهب غير مضروب بدراهم فكره لما وجده غير جيد أن يأخذ منه به مثقالا مضروبا قبل فسخ الصرف ولم يبين من يفسخه، وأشهب يرى أن تراضيهما بفسخه كفسخ السلطان إياه خلاف ما ذهب إليه ابن المواز.
وقول مالك: لا يعجبني إلى آخر قوله، صحيح على أصله أن البدل في الصرف لا يجوز؛ لأنه إذا لم يجز أن يبدله له بمثله ورأى ذلك صرفا متأخرا فأحرى ألا يجوز له أن يبدله بخلافه، وذلك جائز على مذهب من يجيز البدل في الصرف لأنه بمنزلة من له على رجل دينار غير مضروب فأخذ به دينارا مضروبا بوزنه وعلى مثل جودته.
فإذا فسخ الصرف بينهما بحكم على مذهب ابن المواز أو تراضيا على فسخه بينهما بغير حكم على مذهب جاز أن يأخذ به دينارا مضروبا لأنه إنما له دراهم مثل الذي دفع فيجوز له أن يأخذ به ذهبا أو ما شاء من العروض وبالله التوفيق.

.مسألة قلادة اشتراها قوم من رجل بدراهم نقدا وقالوا لصاحبها ندفع إليك الثمن وأخروه:

ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته:
وسئل مالك عن قلادة اشتراها قوم من رجل فيها لؤلؤ وذهب اشتروها بدراهم نقدا وقالوا لصاحبها ندفع إليك الثمن وأخروه بذلك وقطعوا القلادة وفصلوها وتقاوموا اللؤلؤ الذهب فوضعوا فيها فلما حلت الوضيعة وثبوا على صاحبهم وتقاوموا اللؤلؤ وباعوا الذهب يريدون أن يردوا البيع لاستنجاز النقد فيما بينهم ولم يذكروا استنجازا بشرط كان بينهم إلا أنهم اشتروا على النقد وأخروه.
قال: فلا أرى أن يلزمه أن يرد عليه ولا ينقض البيع لاستنجاز النقد قال سحنون: هي جيدة.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أن الذهب كان في القلادة يسيرا فلم يفسد البيع فيها لاستنجاز الثمن إذ لم يتأخر وإنما كان بغلبة من المشترين، وهو على قياس قوله في رسم أخذ يشرب خمرا فيمن ابتاع ثوبا أو طعاما أو غير ذلك بدينار لا درهمين فوجد أحد الدرهمين زائفا أنه يبدله، ولا ينقض البيع وعلى قياس قول من يرى أن البدل في الصرف لا ينقض الصرف إذا تأخر النقد فيه بالغلبة أو السرقة ويأخذ ما تأخر من النقد كما يأخذ ما وجد من الزائف وقد مضى شيء من هذا المعنى في آخر رسم القبلة.

.مسألة ابتاع من رجل بدرهمين زيتا فلما وجب البيع بينهما استقاله من أحدهما:

قال مالك في رجل ابتاع من رجل بدرهمين زيتا فلما وجب البيع بينهما استقاله من أحدهما.
قال مالك: إن كانا لم يتفرقا فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أنه نقد الدرهمين ولم يقبض الزيت أو قبض الزيت ولم ينقد الدرهمين فصار إذا افترقا بيعا وسلف طعام إن كان الزيت هو المقبوض أو بيعا وسلف درهم إن كان الدرهمان هما المقبوضان.
وإن لم يفترقا لم يكن ثم سلف فجازت الإقالة، فأما لو كانا قد تقابضا الزيت والدرهمين أو لم يتقابضا من ذلك شيئا لجاز أن يقيله بما تراضيا عليه افترقا أو لم يفترقا.

.مسألة يشتري الثوب بنصف دينار وثلث فيعطيه دينارا ينقص سدسا:

وسئل مالك عن الذي يشتري الثوب بنصف دينار وثلث، فيعطيه دينارا ينقص سدسا.
قال: لا بأس به، فقيل له: إنه إذا كان ينقض سدسا ينقص من عينيه؟ قال: وما بأسه؟ قال: أرأيت لو أعطاه دراهم؟.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأنه إذا اشترى ثوبا أو شيئا بدينار إلا سدس فإنما يجب للبائع عليه صرفه دراهم يوم يقضيه، فإذا أعطاه بها ذهبا جاز، كمن كان له على رجل دراهم حالة فأخذ بها منه ذهبا.

.مسألة عشرة دنانير من سلف أو بيع إذا كانت مثاقيل مجموعة هي لرجل على رجل:

وقال مالك في عشرة دنانير من سلف أو بيع إذا كانت مثاقيل مجموعة هي لرجل على رجل فيكيلها فتنقض ثلثا أو نصفا: إنه لا بأس به أن يأخذ منه بعد أن يتفرقا بنصفه ورقا أو ما شاء من عرض أو غيره وأما في مجلسهما فإني أكره ذلك، قال ابن القاسم: إذا صح ذلك فلا بأس به أن يأخذ في مجلسه عرضا ولم يرد في قيمته العرض لمكان ما تجاوز عنه من الدنانير، قال مالك: إني أخاف أن تريده في الصرف لمكان ما تجاوز عنه حتى يبين بها ويصير صرفا مستأنفا، قال ابن القاسم: وإذا صح ذلك لا بأس به كان في مجلسهما أو افترقا.
قال محمد بن رشد: لمالك في أول سماع أشهب إجازة ذلك في المجلس خلاف قوله هاهنا وفي رسم صلى نهارا بعد هذا مثل قول ابن القاسم هاهنا وهو الأظهر أن الدنانير المجموعة كالطعام فلا فرق في القياس بين أن ينقصه من حقه دينارا فيأخذ له عرضا أو ورقا أو ينقصه من حقه بعض دينار فيأخذ منه عرضا ما وجد منه ويأخذ بالبقية عرضا أو ورقا في الدنانير القائمة، وقد اختلف أيضا في الدنانير المجموعة إذا وجد فضلا على حقه بعض دينار فأراد أن يأخذه ويعطيه به عرضا أو ورقا فأجازه في كتاب الصرف من المدونة وفي رسم صلى نهارا ثلاث ركعات بعد هذا ومنع في أول سماع أشهب وإجازته أظهر لأنه أخذ منه حقه كاملا وبايعه في الزائد بما تجوز المبايعة به والله أعلم.